ابن عربي
305
مجموعه رسائل ابن عربي
وأنادي في كل فج فؤادي * وأقاسي منه عذابا وبيلا فرق له المولى ، وقال : النزول إلى الكعبة بهذا المسكين الواله أولى . فقلت : يا أبت إذا مشينا بأخينا هذا أبدا إلى مغناه ، متى يلتذ السر بمعناه . فقلت : يا بني إذا سريت بفكرك إلى عالم المعاني ، أنحجب حسك عن التلذذ بالمغاني ، وإذا سري حسك في المغنى ، لم ينحجب سرك عن مشاهدة المعنى ، فالبقاء مع الحس أولى في الآخرة والأولى ، وسيبدو لك شرفه عند الرؤية في جنة المنية . فقلت يا أبت فما تراني صانعا ؟ . قال : أنزل به الآن إلى البيت بعمرة ، قبل أن يبدو الفجر طالعا ، « فنزلت بهمة مهمة » فوقعت في بيداء مدلهمة ، ليس فيها نبات سوى السمرات « 1 » ، ولا سكان إلّا الأفاعي والحيات ، قد درست طرقها ، فتاة طارقها ، عديمة الأنس ، لم يسكنها جن ولا أنس ، وحشة الطبع ، كريهة الوضع ، فقطعتها بجهد وعناء ، ومقاسات وبلاء إلى أن أشرفت على الأعلام ، فلبيت بعمرة يا ذا الجلال والإكرام ، فلما عاينت البيت : هاج القلق ، وعظم الحرق ، وبادرت إلى الحجر الأسود فقبلته ، وشرعت في الطواف فأكملته ، واستجرت بالمستجار ، والتزمت بالملتزم ، ثم ركعت في المقام ، وشربت من ماء زمزم ، ثم سعيت ، وأحللت ، ثم نهضت إلى السماء ورحلت ، فلما رآني الخليل قال : مرحبا بالابن الجليل ، هذا الفجر قد بدت دلائله ، وطلعت منازله ، وبدت أعلام الفتح ، من أجل صلاة الصبح ، فتوضأ يا بني من السلسبيل ، فإنه موقوف على أبناء السبيل ، فغسلت يدي ، ولم يكن بها أذى ، فقال أمين النهر : من ذا ؟ ثم مضمضت فأفرطت ، ثم استنشقت فعبقت ، ثم استنثرت فأوترت ، ثم غسلت وجهي فأربت ، ثم غسلت يدي إلى المرافق فسورت ، ثم مسحت برأسي فتوجت ، ثم مسحت بأذني فكلمت ، ثم غسلت رجلي فدملجت ، ثم أقيمت الصلاة فأقمت ، فلما أحرمنا أحرمنا ، فلما كبرنا كبرنا ، فلما افتتحنا سرحنا : فلما رفعنا : رفعنا ، فلما سجدنا عبدنا ، فلما جلسنا رأسنا ، فلما سلمنا حكمنا ، فرقيت في منبر من السبج ، وقمت فيه خطيبا في سابع درج ، وأنشدت : ولما بدا الفجر الذي لاح من قلبي * دعاني ودادي للحديث مع الرب
--> ( 1 ) السمر : شجر الطلح ، وهو نوع من العضاة : ذو شوك .